مرحبا بكم في بلوج مسابقة واحة الأدب بالكويت في القصة القصيرة على مستوى العالم العربي برعاية رابطة الأدباء الكويتيين/ للوصول إلى صفحة المسابقة بالفيسبوك اضغط هنا

المركز التاسع: المفتاح بقلم/ رزان عوض الكريم محي الدّين إدريس (السودان)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المركز التاسع
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المفتاح
بقلم/  رزان عوض الكريم محي الدّين إدريس (السودان)
كنتُ طفلا حينها، ولكنني ما زلت أذكر كل ما قد وقع كما لو أنه البارحة، ففي ذلك اليوم المشؤوم، كان الحزن يربض في دارنا، وكانوا يقولون إن جدي قد رحل ولن يعود مرة أخرى، ولكنني لم أصدقهم، وظللت أنتظر عودته طوال الأسبوع الأول لرحيله، كنت طفلا شقيا، في كل ليلة أتسلل إلى غرفة جدي كلصوص الليل، أتأملها، جدرانها هرمة ومصابة بالروماتيزم حيث عرفت الرطوبة طريق الوصول إلى خرسانتها الصماء، السقف هزيل ومتصدع يتسرب المطر عبر الشقوق في الشتاء، والدواب في الصيف، كانت غرفة عادية، صغيرة وضيقة كباقي الغرف في بيوت اللاجئين، لم يكن فيها ما يشد انتباهي سوى مفتاح كبير قابع في أحضان المنضدة الملاصقة لفراش جدي، لطالما رأيته مطبقا يديه على مفتاحه بحرص، أذكر أنه كان قد حكى لي سر ذاك المفتاح العجيب، قال إنه مفتاح دارنا هناك في يافا حيث كان لنا أراض وممتلكات.
الغرفة فارغة وموحشة، الصمت يخيم في جنباتها، فلقد أصبحت خاوية بعد رحيل جدي العزيز، انتظرته طويلاً ولم يأتِ، لم يكن سهلاً عليَّ استيعاب فكرة أنني لن أراه بعد اليوم، كنت حزينا ومهزوما، أشعر بوحدة عارمة في هذه المدينة الموحشة المكسوة بالصقيع والتي ليست لنا والتي يصر أهلها على تذكيرنا بأننا لاجئون حينما تتاح لهم الفرصة، كانت حياتنا بائسة، لم نكن نملك تلفزيونا حتى، وكان البرد ينهش ما استطاع منا شتاءً ونستحيل لحماً مشوياً صيفاً، كانت حكايا جدي وحدها تسليني، كنت الأقرب إلى قلبه، كان يحكي لي حكاياه الجميلة عن حقول الزيتون والفرسان المجهولين، وكنت أفتقده بيد أني بدأت أدرك يوما بعد أخر أنه لن يعود، ولكن في تلك الليلة العجيبة، كان الوقت متأخرا والكل يغط في نوم عميق، تسللت أنا من غرفتي كالعادة، كنت عطشانا، عبرت البهو متجها صوب مطبخ دارنا، أشعلت الأضواء، وبينما أنا أصب الماء في القدح، سمعت صوتا مبهما يأتي من مكان ما، تبعت مصدر الصوت فإذا به يقودني إلى باحة المنزل، كان ثمة شبح لإنسان يتأهب مسرعا للمغادرة حينما أحس بي، لوهلة خيل إليَّ أنه جدي، ولكنني لم أستطع أن أجزم على ذلك لأنه كان يدير لي ظهره ويهرول متعجلاً، فتبعته إلى منتصف الطريق، كان واضحا أنه يهرب مني ولكن أقدامه الهزيلة لم تكن تساعده، ولا أدري كيف حانت منه التفاته ورمقني بنظرة خاطفة أصابتني برعشة سرت كهاربها في بدني كله، كان هو، جدي الحبيب، متوشحا بكوفيته العتيقة، ملامحه أعرفها جيدا، العينان الواسعتان ذاتهما والأنف الأشم، البشرة الحنطية ذاتها، نعم كان هو، ناديت عليه فتسمر في مكانه، ثم التفت إليّ، كنت مدهوشا ومزهوا في آن، فلقد كانت تلفه هالة من نور شديد البياض، وتفوح منه رائحة الليمون الحبيبة، أخذت أنظر إليه مصعوقا.
-أيعقل أنك جدي؟
رد ودمعة متمردة مضيئة تنسكب من عينيه قبل أن يجففها بكم قميصه:
-نعم أنا جدك يا محمد، بشحمه ولحمه.
عاتبته لماذا رحل عنا؟ ومتى سيعود؟ ولماذا هو متعجل هكذا؟ دعوته للولوج معي للدار ولكنه رفض، وقال: لا يا ولدي أنا من يافا وليافا سأعود، روحي هناك تتسكع بين حقول الليمون، ولقد عدت إلى هنا لأنني نسيت المفتاح وجئت لآخذه، ثم أخرج من جيبه المفتاح العجيب، أراني إياه ومضى، ركضت خلفه محاولا منعه وإرجاعه للدار، ولكنه استحال غبارا مشعا يتلاشى شيئا فشيئا ثم غيبه المنعطف.
في الواقع لا أعلم إن كان ذلك حقيقة أم خيالاً، فلقد كنت صغيراً جداً، كل ما أعرفه أنني استيقظت صباحا لأتفقد غرفة جدي، كان كل شيء موجودا في مكانه ما عدا المفتاح، لقد اختفى... ما زلت أذكر جيدا: تلك الكلمات على لسان جدي وهو يودعني وحدها آلمتني: أرجو ألا يكون أولئك الأوغاد قد غيروا قفل الباب.

وأنا أرجو ذلك يا جدي...